_ لا يخفى على أحد ما يمتلكه العرب من فنون المقال وتوظيف الحروف والكلمات توظيفآ لافتآ للأنظار وبدون تكلف وفظاظة أو إثخان لا ترغبه الأنفس..ومن هذه الصورة الللطيفة الخفيفة والبديعة ما سنسرده لكم.👇
.. فمن ألفاظ العرب البينة القربية المفهمة، الحسنة الوصف، الجميلة الرصف قول الحطيئة:
وذاك فتى إن تأته في صنيعةٍ ... إلى ماله لا تأته بشفيع
وكذلك قول عنترة:
يخبرك من شهد الوقيعة أنني ... أغشى الوغى وأعف عند المغنم
وكما قال زهير:
على مكثريهم رزق من يعتريهم ... وعند المقلين السماحة والبذل
------------------------—--------------------—-
_* ومما وقع كالإيماء قول الفرزدق:
ضربت عليك العنكبوت بنسجها ... وقضى عليك به الكتاب المنزل
فتأويل هذا أن بيت جرير في العرب كالبيت الواهن الضعيف، فقال: وقضى عليك به الكتاب المنزل: يريد به قول الله تبارك وتعالى:
{وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ} .
ومن كلامه المستحسن قوله لجرير:
فهل ضربة الرومي جاعلة لكم ... أبا عن كليب أو أباً مثل دارم
ومن أقبح الضرورة، وأهجن الألفاظ، وأبعد المعاني قوله:
وما مثله في الناس إلا مملكاً ... أبو أمه حي أبوه يقاربه
مدح بهذا الشعر إبراهيم بن هشام بن اسماعيل بن هشام بن المغيرة بن عبد الله عمر بن عمر بن مخزوم، وهو خال هشام بن عبد الملك، فقال:
وما مثله في الناس إلا مملكاً
يعني بالمملك هشاماً، أبو أم ذلك المملك أبو هذا الممدوح، ولو كان هذا الكلام على وجهه لكان قبيحاً، وكان يكون إذا وضع الكلام في موضعه أن يقول: وما مثله في الناس حي يقاربه إلا مملك أبو أم هذا المملك أبو هذا الممدوح، فدل على أنه خاله بهذا اللفظ البعيد، وهجنه بما أوقع فيه من التقديم والتأخير، حتى كأن هذا الشعر لم يجتمع في صدر رجل واحد مع قوله حيث يقول:
تصرم مني ود بكر بن وائلٍ ... وما كاد مني ودهم يتصرم
قوارص تأتيني ويحتقرونها ... وقد يملأ القطر الإناء فيفعم
وكأنه لم يقع ذلك الكلام لمن يقول:
والشيب ينهض في السواد كأنه ... ليل يصيح بجانبيه نهار
فهذا أوضح معنى، وأعرب لفظٍ، وأقرب مأخذٍ.
وليس لقدم العهد يفضل القائل، ولا لحدثان عهد يهتضم المصيب، ولكن يعطى كل ما يستحق، ألا ترى كيف يفضل قول عمارة على قرب عهده:
تبحثتم سخطي فغير بحثكم ... نخيلة نفسٍ كان نصحاً ضميرها
ولن يلبث التخشين نفساً كريمة ... عريكتها أن يستمر مريرها
وما النفس إلا نطفة بقرارةٍ ... إذا لم تكدر كان صفواً غديرها
فهذا كلام واضح، وقول عذبٌ، وكذلك قوله إيضاً:
بني دارم إن يفن عمري فقد مضى ... حياتي لكم مني ثناءٌ مخلد
بدأتم فأحسنتم فأثنيت جاهداً ... وإن عدتم أثنيت، والعود أحمد
--------------------------—--------------------—-
_*ومما يفضل لتخلصه من التكلف، وسلامته من التزيد، وبعده من الاستعانة
قول أبي حية النميري:
رمتني وستر الله بيني وبينها ... عشية آرام الكناس رميم
ألا رب يوم لو رمتني رميتها ... ولكن عهدي بالنضال قديم
يقول: رمتني بطرفها، وأصابتني بمحاسنها، ولو (كنت شاباً لرميتُ كما رَمَتْ، وفُتِنَتْ كما فُتِنْتُ أنا) ، ولكن قد تطاول عهدي بالشباب، فهذا كلام واضح.
**قا ل أبو الحسن: أنشدنا أبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب البيتين عن عبد الله بن شبيب وروى:
عشية أحجار الكناس رميم
وزاد فيه بيتا:
رميم التي قالت لجارات بيتها ... ضمنت لكم ألا يزال يهيم
الكناس والمكنس: الموضع الذي تأوي إليه الظباء، وجمع الكناس كنس وجمع المكنس مكانس. ورميم: اسم جارية، مأخوذ من العظام الرميم، وهي البالية، وكذلك الرمة، والرمة: القطعة البالية من الحبل، وكل ما اشتق من هذا فإليه يرجع".
** نرجوا من الله النفع والفائدة فيما اخترناه من بعض كتب الأدب والبلاغة العربية الحاوية لدرر عربية كثيرة.. وقد سلطنا الضوء قليلآ على بعض هذه النفحات البسيطة والقريبة للقلوب.

إرسال تعليق